من أكثر الأسئلة التي تدور في عقل كثير من الأمهات والآباء عندما يقترح أخصائي التخاطب استخدام وسيلة تواصل بديلة لطفلهم: “هل لو استخدم طفلي الصور أو الجهاز للتواصل سيتوقف عن محاولة الكلام؟” هذا القلق طبيعي ومفهوم تمامًا، لأن كل أم وأب يتمنى يسمع صوت طفله وهو ينطق كلماته الأولى. في هذا المقال سنجيب عن هذا السؤال، ونقدم نصائح عملية تساعدك في دعم طفلك.
ما هو التواصل البديل والمعزز (AAC)؟
التواصل البديل والمعزز (Augmentative and Alternative Communication – AAC) هو مصطلح شامل يضم جميع طرق التواصل التي تُستخدم لدعم الكلام أو كبديل عنه، وتعرّفه الجمعية الأمريكية للسمع والنطق (ASHA) بأنه يشمل كل وسائل التواصل التي تكمّل أو تعوّض عن صعوبات التعبير اللفظي لدى الأفراد الذين يعانون من اضطرابات تواصل شديدة.
وينقسم التواصل البديل والمعزز إلى عدة أنواع رئيسية:
- أولًا: وسائل غير معتمدة على الأدوات (Unaided AAC) وهي التي لا تحتاج لأدوات خارجية، مثل تعبيرات الوجه، والإشارات اليدوية، ولغة الجسد، والإيماءات الطبيعية اللي يستخدمها الطفل يوميًا.
- ثانيًا: وسائل معتمدة على الأدوات (Aided AAC)، ويندرج منها:
١. وسائل مساعَدة منخفضة التقنية (Low-tech Aided AAC): مثل لوحات الصور وبطاقات التواصل، ومنها نظام تبادل الصور (PECS) الذي طوّره فروست وبوندي عام 1984، ويتكون من ست مراحل تعليمية تبدأ بتعليم الطفل تبادل صورة واحدة للحصول على ما يريد، ثم تتطور تدريجيًا حتى يتمكن من بناء جمل بسيطة باستخدام الصور.
٢. وسائل مساعَدة متوسطة التقنية (Mid-tech Aided AAC): هي أجهزة إلكترونية بسيطة تعمل بالبطاريات، تنتج أصوات مسجلة عند الضغط على أزرار أو صور. تُعد تقنيتها متوسطة بين الأدوات الورقية البسيطة والأجهزة اللوحية، وتتميز بسهولة الاستخدام، والقدرة على تسجيل رسائل محددة لطلب الاحتياجات أو التعبير عن المشاعر.
٣. وسائل مساعَدة عالية التقنية (High-tech Aided AAC): مثل الأجهزة اللوحية والتطبيقات الناطقة التي تُنتج كلامًا مسموعًا عندما يضغط الطفل على صورة أو رمز معين، وتُعد من أكثر الوسائل فعالية في تحسين التواصل الاجتماعي وإنتاج الكلام لدى الأطفال.

لماذا يخاف الأهل من استخدام التواصل البديل؟
من الطبيعي جدًا أن يشعر الأهل بالقلق عندما يُقترح عليهم استخدام وسيلة تواصل بديلة لطفلهم بسبب عدة خرافات شائعة، من أبرزها:
- “إذا أعطيته طريقة بديلة سيتكاسل عن الكلام”. هذا القلق منطقي لأن الأهل يفكرون أن الطفل إذا وجد طريقة سهلة للتواصل فلن يبذل جهدًا لتعلم الكلام.
- “التواصل البديل هو الملاذ الأخير فقط”. كثير من الأهل يعتقدون أن التواصل البديل يجب أن يكون آخر خيار بعد فشل كل المحاولات الأخرى.
- “طفلي صغير جدًا أو غير جاهز”. يعتقد بعض الأهل أن الطفل يحتاج أن يصل إلى مستوى معين من الذكاء أو العمر ليستفيد من التواصل البديل.
هل التواصل البديل يمنع الطفل من الكلام؟
الإجابة العلمية الواضحة والمؤكدة هي: لا. التواصل البديل لا يمنع الطفل من الكلام. وهذه النتيجة ليست رأيًا شخصيًا بل هي خلاصة عدد كبير من الدراسات العلمية والمراجعات المنهجية الموثوقة.
في دراسة مرجعية بالغة الأهمية أجراها ميلر ولايت وشلوسر (Millar, Light & Schlosser, 2006) ونُشرت في مجلة أبحاث النطق واللغة والسمع، حلّل الباحثون 23 دراسة شملت 67 فردًا من ذوي الإعاقات التطورية. والنتيجة لم تُسجَّل أي حالة تراجع في إنتاج الكلام بعد استخدام التواصل البديل. على العكس، أظهرت 89% من الحالات تحسنًا في إنتاج الكلام، بينما لم يتغير الوضع في 11% فقط.
وفي مراجعة منهجية أخرى نشرها شلوسر وويندت (Schlosser & Wendt, 2008) في المجلة الأمريكية لعلم أمراض النطق واللغة، فحص الباحثون تحديدًا تأثير التواصل البديل على إنتاج الكلام لدى الأطفال المصابين بالتوحد. وخلصت الدراسة إلى أن التواصل البديل لا يعيق إنتاج الكلام، بل قد يسهم في زيادته، وإن كانت المكاسب المُلاحظة تتطلب توقعات واقعية.
وفي مراجعة منهجية حديثة أجراها يوان وزملاؤه (Yuan et al., 2024)، تم فحص تأثير الأجهزة الناطقة على الأصوات والنطق لدى أطفال التوحد عبر 18 دراسة شملت 108 مشاركين، النتيجة 87% من المشاركين أظهروا تحسنًا في الأصوات والنطق بدرجات متفاوتة، ولم تُسجَّل أي دراسة تراجعًا في إنتاج الكلام.
كيف يمكن أن يساعد التواصل البديل على تطوير الكلام؟
قد يبدو الأمر متناقضًا في البداية، لكن فهم آلية عمل التواصل البديل يوضح لماذا يدعم الكلام بدلًا من أن يحل محله.
أولًا: تقليل الإحباط وفتح باب التواصل، عندما يملك الطفل وسيلة للتعبير عن احتياجاته، يقل إحباطه بشكل كبير. هذا الإحباط كان في كثير من الأحيان يتحول إلى سلوكيات سلبية مثل البكاء أو الضرب. بمجرد أن يشعر الطفل بأن رسالته تصل، يصبح أكثر استعدادًا للتفاعل والتعلم.
ثانيًا: بناء قاعدة لغوية، فالتواصل البديل يعلّم الطفل مفاهيم لغوية أساسية، مثل: أن لكل شيء اسمًا، وأن الكلمات يمكن ترتيبها لتكوين رسالة، وأن التواصل تبادلي. هذه المفاهيم ضرورية لتطور الكلام لاحقًا.
ثالثًا: النمذجة السمعية، إذ أن الأجهزة الناطقة تُصدر صوتًا عندما يضغط الطفل على رمز، وتسهّل الأجهزة الناطقة اكتساب الكلام من خلال تقديم نماذج صوتية ثابتة ومتكررة، مع عرض الرموز مصحوبة بمخرجات كلامية على شاشة الجهاز.
رابعًا: الطفل يختار الطريقة الأسرع طبيعيًا. الكلام أسرع وأسهل من استخدام جهاز أو بطاقة. لذلك عندما يتطور كلام الطفل، سيميل تلقائيًا لاستخدام صوته لأنه أكثر كفاءة.
متى نستخدم التواصل البديل مع الطفل؟
التواصل البديل يمكن استخدامه في الحالات التالية:
عندما يكون كلام الطفل غائبًا تمامًا أو محدودًا جدًا مقارنة بعمره. أو عندما يكون كلام الطفل غير مفهوم حتى للأشخاص المقربين. وكذلك عندما يعاني الطفل من اضطرابات مثل التوحد، أو الشلل الدماغي، أو أبراكسيا الكلام، أو اضطرابات جينية مثل متلازمة داون.
والمبدأ الأساسي لا تنتظر حتى يفشل كل شيء. التدخل المبكر بالتواصل البديل يحقق نتائج أفضل، حيث ينبغي تقديم التواصل البديل قبل أن يمر الطفل بسلسلة من تجارب الفشل في التواصل التي تسبب إحباطًا عميقًا وتؤثر سلبًا على دافعيته للتعلم.
مثلًا، تخيلي طفلك عمره ثلاث سنوات ولا يستطيع التعبير عن رغبته في شرب الحليب. بدلًا من أن ينتظر شهورًا حتى ينطق الكلمة، يمكنه الإشارة إلى صورة الحليب على لوحة التواصل ليحصل على ما يريد. هذا لا يمنعه من تعلم كلمة “حليب” لاحقًا، بل يعلّمه أن التواصل ممكن ومجزٍ.
أخطاء شائعة عند استخدام التواصل البديل
- تأخير استخدام التواصل البديل أملًا في أن يتكلم الطفل وحده: بعض الأسر تنتظر سنوات قبل اللجوء للتواصل البديل ظنًا أن الطفل سيبدأ بالكلام تلقائيًا. هذا الانتظار قد يُضيّع فترات حساسة لتطور اللغة ويزيد من إحباط الطفل.
- سحب وسيلة التواصل البديل فجأة عندما يبدأ الطفل بنطق بعض الكلمات: الصواب هو أن يُسمح للطفل باستخدام كلا الطريقتين معًا، الكلام والوسيلة البديلة، حتى يصل كلامه إلى مستوى يُغني عن الوسيلة.
- استخدام وسيلة تواصل واحدة في بيئة واحدة فقط: أن يستخدم الطفل التواصل البديل فقط في جلسة التخاطب دون المنزل أو العكس يُقلل كثيرًا من فعاليته. التواصل البديل يجب أن يكون متاحًا في كل مكان وكل وقت.
- عدم تدريب جميع أفراد الأسرة على استخدام الوسيلة: لا يكفي أن تعرف الأم فقط كيف تستخدم الوسيلة، بل يحتاج الأب والإخوة والجدة والمعلمة أيضًا لمعرفة كيفية التفاعل مع الطفل من خلالها.
- اختيار وسيلة تواصل غير مناسبة دون استشارة متخصص: كل طفل يختلف عن الآخر، وما يناسب طفلًا قد لا يناسب آخر. لذلك من الضروري أن يتم اختيار وسيلة التواصل بإشراف أخصائي تخاطب لديه خبرة في هذا المجال.
نصائح عملية للأهل في المنزل في استخدام التواصل البديل والمعزز
- استشيروا أخصائي تخاطب متخصصًا في التواصل البديل، اسألوا عن خبرته في هذا المجال تحديدًا، واختاروا من تشعرون بالراحة في التعامل معه ويناسب طفلكم وأسرتكم.
- كونوا نموذجًا لطفلكم، استخدموا أنتم أيضًا وسيلة التواصل البديل عندما تتحدثون مع طفلكم. مثلًا: عندما تقولون له “تبي حليب؟” أشيروا في نفس الوقت إلى صورة الحليب على اللوحة. هذا ما يسميه المتخصصون “النمذجة”، وهو من أهم العوامل في نجاح التواصل البديل.
- وفّروا وسيلة التواصل في كل مكان، في المنزل، في السيارة، عند الجدة، في المدرسة. كلما كانت وسيلة التواصل البديل متاحة، زادت فرص الطفل للتواصل والتعلم.
- امنحوا الطفل وقتًا للاستجابة، لا تتسرعوا في الرد أو المساعدة، انتظروا بضع ثوانٍ ودعوا الطفل يحاول، سواء بالكلام أو بالوسيلة البديلة.
- احتفوا بكل محاولة تواصل، سواء أشار الطفل إلى صورة، أو نطق صوتًا، أو استخدم الجهاز، شجّعوه واستجيبوا له؛ فكل محاولة تواصل مهمة في رحلة العلاج.
- لا تقارنوا طفلكم بغيره. كل طفل يتعلم بطريقته وسرعته الخاصة. ركزوا على التقدم الذي يحققه طفلكم مهما كان بسيطًا.
- تواصلوا بشكل مستمر مع أخصائي النطق والتخاطب، أخبروه بما يحدث في المنزل، واسألوا عن كيفية تطوير الأنشطة اليومية لدعم تواصل طفلكم.
الخلاصة
التواصل البديل والمعزز (AAC) لا يمنع الطفل من تعلم الكلام. هذا ليس رأيًا بل حقيقة علمية أثبتتها دراسات ومراجعات منهجية متعددة على مدى عقود، حيث الأدلة تشير إلى أن غالبية الأطفال الذين يستخدمون التواصل البديل يُظهرون تحسنًا في إنتاج الكلام أو على الأقل لا يتراجعون.
قائمة المراجع والمصادر العلمية
1. Millar, D. C., Light, J. C., & Schlosser, R. W. (2006). The impact of augmentative and alternative communication intervention on the speech production of individuals with developmental disabilities: A research review. Journal of Speech, Language, and Hearing Research, 49(2), 248–264.
2. Schlosser, R. W., & Wendt, O. (2008). Effects of augmentative and alternative communication intervention on speech production in children with autism: A systematic review. American Journal of Speech-Language Pathology, 17(3), 212–230.
3. Romski, M., & Sevcik, R. A. (2005). Augmentative communication and early intervention: Myths and realities. Infants & Young Children, 18(3), 174–185.
4. Yuan, W., Dunn, M., Kennedy, J., Hsiao, Y. J., & Poppen, M. (2024). Impact of speech generating device interventions on vocalizations of individuals with autism and severe communication impairment: A systematic review of the research. Education and Training in Autism and Developmental Disabilities, 59, 233–256.
5. Aftab, A., Sehgal, C. A., Noohu, M. M., & Jaleel, G. (2023). Clinical effectiveness of AAC intervention in minimally verbal children with ASD: A systematic review. NeuroRegulation, 10(4), 239–252.
6. Kasari, C., Kaiser, A., Goods, K., Nietfeld, J., Mathy, P., Landa, R., Murphy, S., & Almirall, D. (2014). Communication interventions for minimally verbal children with autism: A sequential multiple assignment randomized trial. Journal of the American Academy of Child & Adolescent Psychiatry, 53(6), 635–646.
7. Flippin, M., Reszka, S., & Watson, L. R. (2010). Effectiveness of the Picture Exchange Communication System (PECS) on communication and speech for children with autism spectrum disorders: A meta-analysis. American Journal of Speech-Language Pathology, 19(2), 178–195.
8. Charlop-Christy, M. H., Carpenter, M., Le, L., LeBlanc, L. A., & Kellet, K. (2002). Using the picture exchange communication system (PECS) with children with autism: Assessment of PECS acquisition, speech, social-communicative behavior, and problem behavior. Journal of Applied Behavior Analysis, 35(3), 213–231.
9. American Speech-Language-Hearing Association (ASHA). Augmentative and Alternative Communication (AAC). https://www.asha.org/njc/aac/
10. American Speech-Language-Hearing Association (ASHA). Augmentative and Alternative Communication in Early Intervention. https://www.asha.org/practice/early-intervention-provider-support/augmentative-and-alternative-communication-in-early-intervention/
11. American Academy of Pediatrics (AAP). Beyond Spoken Words: Augmentative and Alternative Communication (AAC) for Kids. HealthyChildren.org.
12. Oommen, E. R., & McCarthy, J. W. (2015). Simultaneous natural speech and AAC interventions for children with childhood apraxia of speech. Augmentative and Alternative Communication, 31(1), 63–76.


